غير مصنف

اللعب على المكشوف.. كيف يصطاد نتنياهو في “المياه العكرة” بخطاب طائفي؟

في عالم السياسة، لا تُطلق التصريحات جزافاً، خاصة عندما تصدر عن شخصية بحجم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في توقيت إقليمي شديد التعقيد. عبارته المثيرة للجدل: “نحن يهود، ولكن من يكره أبا بكر وعمر فبكل تأكيد هو عدو المسلمين”، تمثل نموذجاً صارخاً لما يُعرف بـ “الصيد في المياه العكرة”.

هذا التصريح لا يعكس صحوة دينية أو احتراماً مفاجئاً للتاريخ الإسلامي، بل هو مناورة سياسية مكشوفة تستهدف تحقيق اختراقات استراتيجية على حساب التماسك الداخلي للمنطقة. وفيما يلي قراءة تحليلية لدلالات هذا التصريح وأبعاده الخفية:

أولاً: العزف على وتر الانقسام الطائفي

تدرك القيادة الإسرائيلية جيداً خريطة التصدعات في الشرق الأوسط، وتعتبر الخلاف (السني – الشيعي) التاريخي واحداً من أهم الثغرات التي يمكن النفاذ منها.

  • الرسالة المبطنة: باختياره الدفاع عن رمزين من أقدس الرموز لدى الأغلبية السنية (الخليفتين أبو بكر وعمر رضي الله عنهما)، يحاول نتنياهو تملق مشاعر مئات الملايين من المسلمين، وتوجيه رسالة مفادها: “إسرائيل تحترم مقدساتكم أكثر من خصومكم في الداخل الإسلامي”.
  • الهدف: تعميق الشرخ الطائفي، وتحويل الصراع في المنطقة من صراع (عربي/إسلامي – إسرائيلي) إلى صراع مذهبي بحت يأكل الأخضر واليابس.

ثانياً: صناعة “العدو المشترك” وتوجيه بوصلة العداء

لا يمكن فصل هذا التصريح عن مساعي إسرائيل المستمرة لحشد جبهة إقليمية لمواجهة النفوذ الإيراني والفصائل المتحالفة معه.

  • إعادة التوجيه: عندما يصف نتنياهو من يكره الرموز السنية بأنه “عدو المسلمين الأوحد”، فهو يلمح بوضوح إلى إيران وحلفائها.
  • الغاية السياسية: يسعى نتنياهو لتبرير أي تقارب سياسي أو أمني مع الدول السنية المعتدلة، عبر ترسيخ قاعدة “عدو عدوي صديقي”، محاولاً إقناع الشارع العربي بأن الخطر الحقيقي الذي يتهددهم قادم من الشرق، وليس من إسرائيل.

ثالثاً: المفارقة الصارخة وذروة الانتهازية

هنا تبرز قمة التناقض؛ فالرجل الذي ينصب نفسه مدافعاً عن كرامة رموز الإسلام التاريخية، هو ذاته الذي يقود حكومة توصف بأنها الأكثر يمينية وتطرفاً في تاريخ إسرائيل.

  • تناقض الأفعال والأقوال: تأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه الأراضي الفلسطينية حروباً مدمرة وحصاراً خانقاً، وتصعيداً مستمراً في القدس ومحيط المسجد الأقصى.
  • تجميل الصورة: يحاول نتنياهو فصل الهوية اليهودية لدولته عن فكرة “معاداة الإسلام”، في مسعى بائس لتخفيف حالة الاحتقان الشعبي العارمة ضده في الشارع العربي والإسلامي، متوهماً أن كلمات قليلة قد تمحو أثر عقود من الصراع الدامي.

خلاصة القول:

تصريح نتنياهو ليس زلة لسان، بل هو تكتيك يندرج ضمن “الحرب النفسية والإعلامية”. هو محاولة خبيثة لتوظيف الدين لخدمة السياسة، واستغلال الجراح الطائفية لكسر عزلة إسرائيل الإقليمية. إنها محاولة مكشوفة لا تنطلي على الوعي الجمعي الذي يدرك تماماً الفرق بين من يحترم الرموز بصدق، ومن يستخدمها كأوراق لعب على طاولات السياسة الملطخة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *