بقلم احمد حسن
في سابقة خطيرة تعكس انحداراً غير مسبوق في منظومة القيم الإنسانية والقوانين الدولية، يُطل علينا الكنيست الإسرائيلي بقرارات وتشريعات تهدف إلى إقرار عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين. هذا التوجه لا يمثل مجرد تصعيد سياسي أو أمني، بل هو محاولة بائسة لـ “مأسسة” القتل وتغليفه بغطاء قانوني زائف، في تحدٍ صارخ لكل المواثيق والأعراف التي تعارفت عليها البشرية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
إن هذا القرار لا يُقرأ إلا في سياق واحد؛ وهو محاولة كسر إرادة شعب يرزح تحت الاحتلال، وتحويل الأسرى – الذين تكفل لهم اتفاقيات جنيف حقوقاً واضحة – إلى رهائن ينتظرون الموت بقرارات محاكم تفتقر إلى أدنى معايير العدالة والنزاهة.
وحشية القرار: تجريد من الإنسانية
إن خطورة إقرار إعدام الأسرى تكمن في الوحشية الكامنة خلف هذا التشريع. فالأسير، بحكم القانون الدولي، هو شخص مقيد الحرية يجب الحفاظ على حياته وكرامته، وليس صيداً يُمكن الإجهاز عليه متى شاء السجان.
- انتهاك صارخ لاتفاقيات جنيف: يضرب هذا التوجه بعرض الحائط اتفاقية جنيف الثالثة والرابعة، والتي تحرم بشكل قاطع إصدار أحكام الإعدام أو تنفيذها بحق الأشخاص المحميين، وتعتبر ذلك “جريمة حرب” مكتملة الأركان.
- تشريع للانتقام: لا يمت هذا القرار للعدالة بصلة، بل هو أداة انتقامية تستخدمها الآلة الإسرائيلية لإرضاء التيارات المتطرفة داخل حكومتها، متجاهلة أن التاريخ أثبت أن الإعدام والمشانق لم تكسر يوماً إرادة حركات التحرر الوطني.
- التعذيب النفسي للعائلات: يضع هذا التشريع عائلات الأسرى في حالة من العذاب النفسي المستمر، حيث يتحول سيف الإعدام إلى أداة ابتزاز وقهر يومي.
غضب عالمي ورفض دولي واسع
لم يمر هذا التوجه مرور الكرام في الأوساط الدولية، فقد أثار مشروع القرار موجة من الاستنكار والرفض على مستويات عدة:
- المنظمات الحقوقية الدولية: سارعت منظمات مثل العفو الدولية (أمنستي) وهيومن رايتس ووتش إلى إدانة هذه الخطوات، معتبرة إياها تدهوراً خطيراً وتكريساً لنظام “الفصل العنصري” (الأبارتهايد)، ومحذرة من أن هذه القوانين تفتح الباب أمام إعدامات ميدانية مقننة.
- الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي: عبرت العديد من الهيئات الأممية والدول الأوروبية – التي ترفض عقوبة الإعدام من حيث المبدأ – عن قلقها البالغ ورفضها القاطع لتطبيق هذه العقوبة في الأراضي المحتلة، مؤكدة أن هذا سيؤدي إلى إشعال المنطقة ودفعها نحو دوامة من العنف لا يمكن السيطرة عليها.
الإدانة المصرية والأزهر الشريف: صوت العقل والضمير
أمام هذا المشهد القاتم، برز الموقف المصري وموقف الأزهر الشريف كحائط صد منيع وداعم أصيل للقضية الفلسطينية ولحقوق الأسرى:
- الموقف المصري الرسمي: لطالما كانت القاهرة العاصمة التي تدير أعقد ملفات القضية الفلسطينية، وعلى رأسها ملف الأسرى. وقد جاء الرفض المصري لمثل هذه التوجهات الإسرائيلية قاطعاً وحازماً. فمصر تعتبر أن أي مساس بحياة الأسرى هو تصعيد خطير ينسف أي جهود للتهدئة أو إحلال السلام، وتؤكد في كل المحافل الدولية أن الأسرى الفلسطينيين هم أصحاب قضية وحقوق يجب حمايتها وفقاً للقانون الدولي الإنساني.
- موقف الأزهر الشريف: من منطلق مسؤوليته الدينية والأخلاقية والتاريخية، أطلق الأزهر الشريف صرخة مدوية في وجه هذا التشريع الوحشي. وصف الأزهر هذه القوانين بأنها “إرهاب دولة” يعكس العقلية الدموية للاحتلال. وأكدت مؤسسة الأزهر في بياناتها أن هذه القرارات تتنافى مع كافة الشرائع السماوية التي تُعلي من قيمة النفس البشرية وتُحرم قتل النفس بغير حق. كما دعا الأزهر المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان إلى الاستيقاظ من غفلتها والتدخل الفوري لوقف هذه المهازل التي تُرتكب بحق الإنسانية جمعاء.
ختاماً.. إرادة الحياة أقوى من تشريعات الموت
إن محاولة الكنيست تشريع إعدام الأسرى الفلسطينيين هي شهادة إفلاس سياسي وأخلاقي، ودليل واضح على عجز الاحتلال عن إخماد جذوة المقاومة في نفوس الفلسطينيين. قد تُسن القوانين الجائرة، وقد تُنصب المشانق في غرف مغلقة، لكن الحقيقة الثابتة التي يجهلها أو يتجاهلها المشرع الإسرائيلي هي أن الأسرى الفلسطينيين لا يهابون الموت؛ فمن يقدم روحه فداءً لوطنه لا ترعبه ورقة يوقعها محتل.
ستبقى قضية الأسرى هي البوصلة، وسيبقى الرفض العربي والدولي، وفي مقدمته الدور المصري والأزهري، سداً منيعاً يفضح وحشية هذا الاحتلال أمام العالم أجمع. إن تشريعات الموت لن تنجب إلا مزيداً من الإصرار على الحياة والحرية.
