انتشر خلال الساعات الماضية مقطع فيديو قصير، لكنه كان كافياً ليهز قلوب الملايين. فيديو لا يحمل عناوين براقة، ولا أحداثاً استثنائية، بل يحمل وجهاً واحداً للحقيقة المرة التي يعيشها كثيرون، فيه تظهر فتاة تعمل كاشيرة في أحد المحلات التجارية، واقفة لفترات طويلة حتى نهشها الإرهاق. لم تجد كرسياً تستند إليه، ولا مساحة إنسانية تتنفس فيها. فما كان منها إلا أن انهارت وجلست على الأرض تبكي. مشهد صامت، لكنه صرخ بأعلى صوت عن كرامة إنسان تُستنزف مقابل أجر لا يكاد يكفي.
المشهد الذي كسر القلوب

تُظهر اللقطات الفتاة وهي تحاول جاهدة أن تصلب طولها خلف “الكونتر”. آثار التعب بادية على ملامحها، وظهرها لم يعد يحتمل الوقوف. من شدة الإعياء أخرجت هاتفها المحمول وسندته على سطح الكاشير لتحمل جزءاً من ثقل جسدها.
وفي لحظة انهيار، لم تجد حلاً سوى الجلوس على الأرض.
جلست تبكي بصمت، ليس ضعفاً، بل من شدة الاستنزاف الجسدي والنفسي. وما إن رأتها زميلتها حتى هبت إليها، فنهضت الفتاة مسرعة خوفاً من أن تراها الإدارة وتوقع عليها الجزاء. الخوف من العقاب كان أقوى من ألم الظهر.
الوقوف الإجباري انتهاك صامت للكرامة
إن منع العامل من الجلوس أثناء ساعات العمل الطويلة ليس مجرد قرار إداري، بل هو انتهاك لحق إنساني أصيل. جسم الإنسان لا يحتمل الوقوف المتواصل لساعات، خاصة للفتيات. يؤدي ذلك إلى آلام مزمنة في الظهر والمفاصل، والدوالّي، والإجهاد العام.
الأخطر من ذلك هو الرسالة النفسية التي يرسلها هذا المنع”راحتك لا تساوي شيئاً”. يتم اختزال الإنسان إلى آلة تبيع وتُحاسب، دون أن يُنظر إلى كونه كياناً له طاقة محدودة وله كرامة يجب صونها.
مقابل كرامة مهدرة

الأكثر إيلاماً في الفيديو أن كل هذا العناء يحدث مقابل أجر زهيد. أجر لا يغير من الواقع شيئاً، ولا يضمن مستقبلاً، لكنه يستنزف الحاضر كاملاً. يتم استبدال صحة الشباب وكرامتهم بمقابل مادي ضئيل.
إن هذا النوع من الاستغلال لا يحدث فقط في محل واحد، بل هو ظاهرة موجودة في العديد من أماكن العمل التي ترى في العامل رقماً في الدفتر، لا إنساناً له أسرة وله مشاعر وله حدود طاقة.
انتشر خلال الساعات الماضية مقطع فيديو قصير، لكنه كان كافياً ليهز قلوب الملايين. فيديو لا يحمل عناوين براقة، ولا أحداثاً استثنائية، بل يحمل وجهاً واحداً للحقيقة المرة التي يعيشها كثيرون، فيه تظهر فتاة تعمل كاشيرة في أحد المحلات التجارية، واقفة لفترات طويلة حتى نهشها الإرهاق. لم تجد كرسياً تستند إليه، ولا مساحة إنسانية تتنفس فيها. فما كان منها إلا أن انهارت وجلست على الأرض تبكي. مشهد صامت، لكنه صرخ بأعلى صوت عن كرامة إنسان تُستنزف مقابل أجر لا يكاد يكفي.
ماذا يقول القانون والأعراف
القوانين العمالية في أغلب دول العالم تؤكد على حق العامل في بيئة عمل آدمية. وتشمل ذلك توفير مقاعد للراحة، وفترات استراحة، وعدم تعريض العامل لمعاملة مهينة. احترام الإنسان في عمله هو أساس الإنتاج الحقيقي والمستدام.
أما عُرفاً، فالمجتمعات التي تحترم نفسها لا تقبل أن تُذل بناتها وأبناؤها من أجل لقمة العيش. فالعمل عبادة وتكريم، لا عقوبة وإذلال. والمؤسسة التي تنجح على حساب كرامة موظفيها هي مؤسسة خاسرة أخلاقياً حتى لو ربحت مادياً.
تضامن واسع ومطالبات بالتغيير

أثار الفيديو موجة غضب وتضامن واسعة. علق الآلاف: “لماذا لا يوجد كرسي”، “هل هذه هي معاملة بنات الناس”. تحولت القصة من حالة فردية إلى قضية مجتمع، هذه اللحظة يجب أن تكون نقطة تحول. على أصحاب المحلات والشركات أن يراجعوا سياساتهم. وعلى الجهات الرقابية أن تشدد التفتيش على بيئة العمل. وعلى المستهلك أن يختار الأماكن التي تحترم عمالها، لأن الشراء هو تصويت أيضاً.
لم تكن تلك الفتاة تبكي من الألم فقط، كانت تبكي من القهر. تبكي لأن أبسط حقوقها وهو “كرسي” قد سُلب منها. تبكي لأنها اضطرت للاختيار بين صحتها وبين رزقها إن صورة فتاة جالسة على الأرض تبكي يجب أن تلاحق ضمائرنا جميعاً. فالعمل ليس أن نستنزف الناس حتى النهاية. العمل الحقيقي هو أن نمكن الإنسان من أن يعمل وهو مرفوع الرأس فلنبدأ من الآن: كرسي لكل عامل، ونظرة احترام لكل إنسان. فالكرامة لا تُباع ولا تُشترى، ومهما كان المقابل.
المصدرhttps://www.facebook.com/share/17sBoFk3JG/
اقرا ايضامن القرعة إلى الرحمة.. مايا مرسي ترسم ملامح حج الجمعيات لموسم 1448هـ





