استرداد الآثار المصرية المنهوبة
في ظل معركة دبلوماسية وقانونية شرسة تقودها الدولة المصرية على مدار سنوات، كشف السفير وائل النجار، مساعد وزير الخارجية للعلاقات الثقافية، عن رقم يعكس حجم الإنجاز الذي تحقق في ملف استعادة الآثار المنهوبة؛ حيث نجحت مصر في استرداد نحو 30 ألف قطعة أثرية من مختلف دول العالم خلال السنوات العشر الماضية. هذا الإعلان الذي جاء مساء الاثنين 11 مايو 2026، لا يمثل مجرد إحصائية رقمية، بل هو تجسيد لإرادة سياسية صلبة ترفض التنازل عن ذرة تراب من إرث الأجداد، وتؤكد أن “القوى الناعمة” المصرية قادرة على ملاحقة المهربين وتجار التاريخ في أبعد بقاع الأرض.

عشر سنوات من الصمود الأثري.. كيف استردت مصر كنوزها؟
لم يكن الطريق نحو استعادة 30 ألف قطعة مفروشاً بالورود، بل كان نتاج عمل مؤسسي متكامل بين وزارة الخارجية، ووزارة السياحة والآثار، والنيابة العامة. اعتمدت مصر في تحركاتها على استراتيجية “النفس الطويل”، والتي شملت رصد كافة صالات العرض والمزادات العالمية في نيويورك ولندن وباريس وزيورخ.
وأوضح السفير وائل النجار أن مصر لم تكتفِ بالمطالبة الودية، بل فعلت الاتفاقيات الثنائية التي تمنع الاستيراد والتصدير غير المشروع للممتلكات الثقافية. فكل قطعة مستردة كانت تحمل وراءها قصة معقدة من الملاحقة القضائية وإثبات الملكية التاريخية، خاصة تلك القطع التي خرجت من البلاد نتيجة الحفر خلسة أو التهريب في أعقاب فترات الاضطراب. إن استعادة هذا الكم الهائل من القطع يعطي رسالة واضحة للعالم بأن مصر تراقب كل “سنتيمتر” من آثارها، وأن أي محاولة للاستحواذ عليها ستواجه بقوة القانون الدولي.

القانون الفرنسي الجديد.. نافذة ذهبية لعودة “كنوز اللوفر”
انتقل السفير وائل النجار في حديثه إلى نقطة محورية تتعلق بالتحركات المستقبلية، وهي القانون الفرنسي الجديد الخاص بالآثار المنهوبة، والذي يعتزم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المصادقة عليه قريباً. هذا القانون يمثل تحولاً جذرياً في السياسة الأوروبية تجاه الآثار المهربة، ومصر كانت من أوائل الدول التي بدأت دراسة ثغراته ونقاط قوته للاستفادة منها.
وأكد مساعد وزير الخارجية أن وزارة الخارجية تدرس حالياً مع الجهات المختصة كيفية صياغة مذكرات قانونية تستند إلى هذا التشريع الفرنسي الجديد، لتسهيل عملية استعادة القطع الموجودة في المتاحف الفرنسية أو تلك التي تظهر في الأسواق الفرنسية. ففرنسا تعد واحدة من أكبر محطات تجارة الآثار عالمياً، ووجود تشريع يسهل “العودة الطوعية” أو القسرية للآثار المنهوبة يعد انتصاراً للدبلوماسية الثقافية المصرية التي طالما طالبت بتغيير قوانين “حيازة الآثار” في أوروبا.
حصر دقيق وملاحقة لا تهدأ
من أهم النقاط التي كشف عنها السفير النجار هي وجود “حصر دقيق” لكل قطعة أثرية مصرية موجودة في متاحف العالم. هذا “الكتالوج” التاريخي يسمح لمصر بالتحرك فور ظهور أي قطعة في أي مزاد علني. فالعالم اليوم بات يدرك أن الدولة المصرية تتحرك “فوراً” وبالتنسيق مع الإنتربول الدولي لوقف أي عملية بيع لقطع يثبت خروجها بشكل غير شرعي.
هذا الوعي الدولي لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة إصرار القيادة السياسية على أن ملف الآثار هو قضية “أمن قومي ثقافي”. فمصر لا تطالب بآثارها من أجل العرض فقط، بل لأنها جزء أصيل من هويتها الوطنية، وحق أصيل للأجيال القادمة في معرفة تاريخهم الحقيقي غير المنقوص.

التفاؤل بالمستقبل واستمرار المعركة
اختتم السفير وائل النجار تصريحاته بنبرة ملؤها التفاؤل، مؤكداً أن مصر لن تتوقف عند رقم 30 ألف قطعة، بل ستمضي في المطالبة بكل حق تاريخي لها. إن التعاون مع الجانب الفرنسي، ودراسة القوانين الدولية المتغيرة، يفتح الباب أمام استعادة قطع أيقونية قد تغير خارطة المتاحف المصرية في المستقبل القريب.
إن المعركة التي تقودها الخارجية المصرية ليست مجرد إجراءات إدارية، بل هي معركة وعي عالمي؛ حيث نجحت مصر في إقناع المجتمع الدولي بأن “حيازة الأثر المنهوب” هي جريمة لا تسقط بالتقادم، وأن السيادة الوطنية تمتد لتشمل الإرث الثقافي أينما وجد.
تكامل الإنجازات.. بين حماية الماضي وبناء المستقبل
يأتي هذا الإنجاز الدبلوماسي الكبير في وقت تشهد فيه مصر حراكاً شاملاً في كافة القطاعات. فبينما تسترد الدولة تاريخها من الخارج، تواصل بناء إنسان المستقبل في الداخل؛ حيث تتزامن هذه النجاحات مع خطط وزارة التربية والتعليم للتوسع في بحلول سبتمبر 2026.. 100 مدرسة يابانية في مصر وتعميم “نموذج الرياضيات العالمي” على كافة المدارس الحكومية، التي تهدف لغرس قيم الانتماء والوعي بالتاريخ لدى النشء، ليكونوا حراس المستقبل لهذا الإرث المسترد.
كما يعكس هذا الاستقرار القوي في الملفات السيادية حالة الثبات التي تعيشها الدولة، وهو ما ينعكس على ثقة المؤسسات الدولية والمواطن على حد سواء. وبرغم الصدمات التي يتلقاها الوسط الثقافي والفني بين الحين والآخر، وآخرها وداعاً عبد الرحمن أبو زهرة.. رحيل “حكيم الفن المصري” وصاحب البصمة الخالدة في “لن أعيش في جلباب أبي” وديزني الذي كان عاشقاً لتاريخ مصر ومدافعاً عن هويتها، إلا أن الدولة تثبت يومياً أنها قادرة على تعويض الفقد بالعمل والإنتاج واستعادة الكرامة التاريخية. إن معركة الآثار هي معيرة كرامة في المقام الأول، والـ 30 ألف قطعة هم 30 ألف شاهد على انتصار الإرادة المصرية في ظل الجمهورية الجديدة





