لا تقاس عظمة المؤسسات التربوية بما تحققه من تفوق أكاديمي فحسب، بل بما ترسخه من قيم إنسانية في نفوس الناشئة. وقد جاءت فتوى الأزهر الشريف الأخيرة لتؤكد أن صرح التعليم لا يمكن أن يقوم على أنقاض كرامة الطالب، وذلك في معرض تعليقه على واقعة طرد طالب من المدرسة بسبب ارتدائه “الشبشب”. فقد قرر الأزهر بصريح العبارة أن إخراج الطالب من فصله أو المدرسة لهذا السبب يعد إثماً، وأن الانتقاص منه أو إهانته أمام أقرانه أمر محرم شرعاً. هذه الفتوى لا تتحدث عن حذاء، بل تتحدث عن فلسفة تربية بأكملها.

الواقعة التي أشعلت الجدل
انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي صور وفيديوهات لطالب تم إخراجه من المدرسة ومنعه من دخول الفصل لأنه حضر مرتدياً “الشب” بدلاً من الحذاء المدرسي. وقد بررت بعض إدارات المدارس هذا التصرف بأنه “انضباط” و”التزام بالزي”. إلا أن ردود الفعل الشعبية كانت واسعة، وتساءل كثيرون هل يستقيم أن نعلم أبناءنا النظام بإهانتهم وهل يكون الزي أهم من الإنسان
رأي الأزهر الشريف لا ضرر ولا ضرار
أكدت لجنة الفتوى بالأزهر أن الأصل في التعامل مع الطلاب هو الرفق والرحمة والتوجيه، لا التنفير والإبعاد. وجاء في البيان “يحرم طرد الطالب أو إبعاده من المدرسة أو الفصل بسبب مخالفة شكلية في الزي، ويحرم الانتقاص منه أو إهانته أمام زملائه أو التندر به، ويأثم مرتكب هذا الفعل”.
واستند الأزهر في ذلك إلى عدة أصول شرعية وتربوية حفظ الكرامة الإنسانية، فالإنسان مكرم بنص القرآن الكريم، وهذه الكرامة لا تسقط بسبب فقر أو ظرف طارئ أو نسيان، قاعدة التدرج في الإنكار فالشرع أمر بالبدء بالنصح والإرشاد سراً، لا بالتشهير والعقاب العلني الذي يورث الحقد وكره التعليم، سد الذرائع فطرد الطالب قد يؤدي إلى تسربه من التعليم، أو تعرضه للخطر في الشارع، أو شعوره بالدونية، وهي مفاسد أكبر بكثير من مخالفة الزي.

بين الانضباط والإذلال أين يقع الخط الفاصل
لا شك أن للمدارس لوائح منظمة للزي المدرسي، والهدف منها غرس قيم المساواة والانضباط. ولكن الفقه التربوي يفرق بوضوح بين “تقويم السلوك” و “كسر الهيبة”فالانضباط يكون باستدعاء ولي الأمر، أو تنبيه الطالب، أو توفير بديل مؤقت من إدارة المدرسة. أما الإذلال فيكون بالطرد أمام الزملاء، والسخرية، واستخدام السلطة لإشعار الطالب بالنقص. الأول يبني شخصية، والثاني يهدمها.
وقد أشار علماء التربية إلى أن الطالب الذي يتعرض للإهانة العلنية يفقد الدافع للتعلم، ويصبح أكثر عرضة للعنف أو الانحراف، لأن المدرسة التي يفترض أنها بيته الثاني تحولت إلى مصدر ألم له.

معلومات أخرى ماذا تقول اللوائح والقوانين
بعيداً عن الفتوى، فإن قانون التعليم المصري ولائحة الانضباط المدرسي لا تتضمن “الطرد من الحصة” كعقاب لمخالفة الزي. بل تدرجت العقوبات لتبدأ بالتنبيه الشفهي، ثم استدعاء ولي الأمر، ثم الأنشطة العلاجية. كما أن وزارة التربية والتعليم شددت مراراً على منع أي عقاب بدني أو معنوي يمس كرامة الطالب وعلى الصعيد العالمي، تؤكد اتفاقية حقوق الطفل التي وقعت عليها مصر على حق الطفل في التعليم دون تمييز، وعلى احترام كرامته.

دور الأسرة والمجتمع
إن معالجة هذه الظواهر لا تقع على عاتق المدرسة وحدها. على الأسرة أن تتفهم أهمية الالتزام، وأن توفر لابنها الحد الأدنى من متطلبات المدرسة. وعلى المجتمع أن يدرك أن بعض الأسر قد لا تملك ثمن حذاء مدرسي في بداية العام، فتكون الرحمة أولى من المحاسبة. وهنا يأتي دور صناديق التكافل المدرسي في توفير المستلزمات لمن يحتاج.
إن فتوى الأزهر لم تدافع عن “الحذاء”، بل دافعت عن معنى أعمق أن المدرسة مصنع رجال لا مصنع إهانات. وأن هيبة المعلم لا تأتي من إخافة الطالب، بل من احترامه له فالتعليم رسالة، والرسالة لا تبلغ بالصراخ والطرد، بل بالقدوة والرحمة. ولعل هذه الواقعة تكون نقطة تحول، نعيد فيها صياغة علاقتنا بأبنائنا نحاسبهم على تقصيرهم في العلم والخلق، لا على ما تفرضه عليهم ظروفهم من لباس.

المصدرhttp://www.fedcoc.org.eg/
اقرا ايضاكجوك الإصلاح المالي مستمر.. ونستهدف نمواً أعلى وتضخماً أقل





