يوافق الحادي والعشرون من سبتمبر من كل عام اليوم العالمي لألزهايمر، وهو مناسبة عالمية للتوعية بأحد أكثر الأمراض تحدياً للإنسانية، ودعم الأشخاص المصابين به وأسرهم ومقدمي الرعاية لهم. وشعار هذا العام “الرعاية أمان وكرامة واستمرار للحياة” يلخص الفلسفة التي تتبناها وزارة التضامن الاجتماعي في مصر، فالمسألة لا تتعلق بالنسيان فقط، بل بحفظ كرامة الإنسان حتى آخر لحظات حياته، وضمان جودة حياة له ولمن يرعاه.
أرقام تكشف حجم التحدي

بحسب منظمة الصحة العالمية، يعيش نحو 57 مليون شخص مع الخرف حول العالم، ويُعد مرض ألزهايمر أكثر أنواعه شيوعاً، حيث يمثل ما بين 60% إلى 70% من إجمالي حالات الخرف. وتشير التقديرات إلى أن عدد الحالات قد يرتفع إلى 139 مليون حالة بحلول عام 2050 بسبب زيادة متوسط الأعمار.
ومرض ألزهايمر ليس مجرد فقدان للذاكرة، بل هو اضطراب عصبي تدريجي يؤثر على التفكير والسلوك والقدرة على أداء المهام اليومية، ويحتاج إلى رعاية طويلة الأجل ومتكاملة، وهو ما يضع عبئاً كبيراً على الأسر ونظم الرعاية الصحية والاجتماعية في العالم كله.
منظومة مصرية متكاملة ماذا تفعل التضامن

في مصر، تعمل وزارة التضامن الاجتماعي من خلال صندوق رعاية المسنين على تطوير منظومة رعاية أكثر تكاملاً وإنسانية لكبار السن ومرضى ألزهايمر، تتجاوز مفهوم الإيواء إلى مفهوم الرعاية الشاملة.
وتشمل هذه المنظومة أربعة محاور رئيسية: الرعاية الصحية من خلال المتابعة الطبية الدورية، والرعاية النفسية لتخفيف القلق والاكتئاب المصاحب للمرض، والرعاية الاجتماعية لدمج المسن ومنع عزله، والرعاية التأهيلية للحفاظ على ما تبقى من قدراته.
كما تولي الوزارة اهتماماً كبيراً بتدريب الكوادر على مهارات الرعاية طويلة الأجل، وفنون التواصل مع مريض ألزهايمر، ووضع خطط رعاية فردية تناسب احتياجات كل حالة وتاريخها وخصوصيتها، لأن كل مريض هو حالة فريدة وليس مجرد رقم.
الاكتشاف المبكر نقطة التحول في رحلة العلاج

تولي وزارة التضامن أهمية خاصة للاكتشاف والتدخل المبكر، وهو ما يحدث فرقاً كبيراً في مسار المرض. فالتشخيص المبكر يساعد الشخص المصاب وأسرته على فهم طبيعة الحالة، وتقبلها، والمشاركة في تحديد الاحتياجات والتفضيلات المستقبلية، والتخطيط للرعاية بصورة أكثر ملاءمة واستقراراً.
ويشمل التدخل المبكر برامج لتدريب أفراد الأسرة على كيفية التعامل مع تغيرات الذاكرة والسلوك، وكيفية تهيئة المنزل ليكون آمناً، وكيفية الحفاظ على استقلالية المريض لأطول فترة ممكنة، مما يقلل من الضغط النفسي على مقدمي الرعاية ويحسن جودة حياة الجميع.
نموذج الباقيات الصالحات عندما تتحول الرحمة إلى مؤسسة
ومن النماذج المتخصصة والرائدة في هذا المجال، مجمع عبلة الكحلاوي الرعائي والطبي المتكامل لألزهايمر وكبار السن التابع لجمعية الباقيات الصالحات. ويعد هذا المجمع صرحاً متكاملاً يضم دور رعاية متخصصة، ومستشفى لمرضى ألزهايمر، وأكاديمية للتدريب على رعاية المسنين، ومركزاً للرعاية عن بعد لدعم الأسر في منازلها، ومعهداً فنياً للتمريض.
وقد شهد شهر سبتمبر الجاري تخريج الدفعة الأولى من معهد الدكتورة عبلة الكحلاوي الثانوية الفنية للتمريض، في خطوة استراتيجية تهدف إلى إعداد كوادر تمريضية متخصصة قادرة على تقديم رعاية تراعي الجوانب الطبية والنفسية والاجتماعية والإنسانية لكبار السن ومرضى ألزهايمر، وهو التخصص الذي تعاني منه المنطقة بأكملها من نقص شديد.
رقابة وحماية لضمان كرامة بلا تجاوز

تتكامل هذه الجهود الرعائية مع دور رقابي وحمائي تقوم به الوزارة. فصندوق رعاية المسنين يعمل على تطوير وتنظيم خدمات الرعاية ووضع معايير جودة ملزمة، بينما تقوم فرق التدخل السريع ولجان الضبطية القضائية بمتابعة دور الرعاية على مستوى الجمهورية، والتعامل مع البلاغات، والتدخل الفوري لحماية كبار السن من أي تجاوز أو إهمال. وهذا التوازن بين الرعاية والرقابة هو ما يضمن أن تظل الرعاية أماناً حقيقياً.
إن الهدف النهائي لكل هذه الجهود هو هدف واحد وواضح: رعاية تحفظ الكرامة، وتحسن جودة الحياة، وتمنح كبار السن ومرضى ألزهايمر الدعم الذي يستحقونه. ففي اليوم العالمي لألزهايمر، نحن لا نتذكر المرض فقط، بل نتذكر الإنسان خلف المرض، وحقه في أن يعيش أيامه بسلام وأمان وحب، وأن يجد يداً تمسك به عندما تخذله ذاكرته.





