تشهد العلاقة بين مؤسسات كرة القدم الدولية والهيئات السياسية والقانونية في أوروبا توترًا متزايدًا، في ظل مطالبات متكررة بزيادة مستويات الشفافية والحوكمة داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، وفي هذا السياق، تصاعدت مؤخرًا في أروقة البرلمان الأوروبي دعوات تطالب بفتح تحقيق رسمي مع السويسري جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي، على خلفية ملفات تتعلق بإدارة البطولات الكبرى والعقود التجارية وطريقة اتخاذ القرارات داخل المنظمة. وتأتي هذه المطالبات لتعكس قلقًا متزايدًا من تداخل المصالح الرياضية مع الاعتبارات السياسية والاقتصادية.
مطالبات داخل البرلمان الأوروبي بالتحقيق مع جياني إنفانتينو

شهد البرلمان الأوروبي خلال الأسابيع الماضية سلسلة من المداخلات والمناقشات التي تناولت أداء الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” في ظل رئاسة جياني إنفانتينو، وقد تقدم عدد من النواب الأوروبيين بمقترحات تطالب المفوضية الأوروبية والسلطات القضائية السويسرية بفتح تحقيق شامل حول عدة ملفات إدارية ومالية مرتبطة بالاتحاد الدولي.
وتتمحور أبرز المطالبات حول ثلاثة محاور رئيسية، المحور الأول يتعلق بطريقة منح حقوق استضافة البطولات الكبرى، ولا سيما كأس العالم 2026 التي ستقام بمشاركة 48 منتخبًا في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وكأس العالم للأندية الموسعة المقرر إقامتها عام 2025، ويرى بعض النواب أن عملية اتخاذ القرار داخل “فيفا” تفتقر إلى آليات رقابة مستقلة، مما يفتح الباب أمام شبهات تضارب المصالح.
عقود الرعايه والتجارة
أما المحور الثاني فيتعلق بالعقود التجارية والرعاية التي يبرمها الاتحاد الدولي مع شركات كبرى، ويشير منتقدون إلى أن بعض هذه الاتفاقيات تمت دون طرح مناقصات علنية أو تقييم كافٍ للأثر الاجتماعي والبيئي، خاصة في ظل التوسع الكبير في عدد المباريات والبطولات، وقد طالب نواب من كتل سياسية مختلفة بالكشف عن تفاصيل هذه العقود وخضوعها لمعايير الحوكمة المطبقة على المؤسسات الرياضية الكبرى في أوروبا.
والمحور الثالث يتمثل في تصريحات إنفانتينو الإعلامية ومواقفه السياسية، فقد أثارت بعض مداخلاته جدلًا واسعًا خلال بطولات سابقة، عندما تحدث عن قضايا لا ترتبط بشكل مباشر بكرة القدم، مما دفع نوابًا إلى المطالبة بتوضيح حدود دور رئيس “فيفا” ومدى التزامه بمبدأ الحياد الذي ينص عليه النظام الأساسي للاتحاد.
من هوجياني إنفانتينو

هو من مواليد عام 1970 في سويسرا، وتولى رئاسة “فيفا” في عام 2016 خلفًا للسويسري جوزيف بلاتر، وقبل ذلك شغل منصب الأمين العام للاتحاد الأوروبي لكرة القدم “يويفا”، ومنذ توليه المنصب، تبنى سياسة توسيع المشاركة في البطولات وزيادة الدعم المالي للاتحادات الأعضاء، وهو ما أكسبه تأييدًا واسعًا من قارات إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، إلا أن هذه السياسة قوبلت بتحفظ من بعض الأطراف الأوروبية التي ترى أن التوسع السريع قد يؤثر على جودة المنافسة وعلى الأجندة الدولية للمباريات.
وردًا على هذه المطالبات، أكد الاتحاد الدولي لكرة القدم في بيانات سابقة التزامه الكامل بمبادئ الشفافية والمساءلة، وأشار إلى أن جميع القرارات المتعلقة باستضافة البطولات والعقود التجارية تخضع لتصويت مجلس “فيفا” وتدقيق لجنة التدقيق والامتثال المستقلة، كما شدد على أن رئيس الاتحاد يمارس مهامه وفق النظام الأساسي ولا يتدخل في الشؤون السياسية للدول.
ويذكر أن “فيفا” هي منظمة غير حكومية مقرها مدينة زيورخ السويسرية، وتخضع للقوانين السويسرية الخاصة بالجمعيات وقد سبق للسلطات السويسرية أن فتحت تحقيقات في ملفات فساد داخل الاتحاد خلال عام 2015، والتي أدت إلى إيقاف عدد من المسؤولين، ومنذ ذلك الحين، أدخل الاتحاد إصلاحات هيكلية شملت فصل السلطات وإنشاء لجان مستقلة للإشراف المالي والأخلاقي.
الصغط البرلماني

ويرى مراقبون أن الضغط داخل البرلمان الأوروبي يعكس تحولًا أوسع في نظرة المؤسسات السياسية إلى الرياضة باعتبارها قطاعًا اقتصاديًا ضخمًا يتجاوز حدود الملعب. فعائدات “فيفا” من كأس العالم 2022 تجاوزت 7.5 مليار دولار أمريكي، وهو رقم يجعل المنظمة محط أنظار الجهات الرقابية والضريبية في الاتحاد الأوروبي.
كما أن العلاقة بين “فيفا” والاتحاد الأوروبي معقدة بسبب الخلاف حول تقويم المباريات الدولية، فقد اعترضت “يويفا” والأندية الأوروبية الكبرى على مقترح إقامة كأس العالم كل عامين، وعلى توسيع كأس العالم للأندية، بدعوى التكدس في روزنامة المباريات وتأثير ذلك على صحة اللاعبين.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو مطالبات التحقيق بمثابة رسالة سياسية أكثر منها إجراءً قضائيًا فوريًا. فالبرلمان الأوروبي لا يملك سلطة مباشرة على “فيفا” باعتباره هيئة دولية خاصة، لكنه يستطيع الضغط من خلال التشريعات المتعلقة بالشركات الراعية وحقوق البث داخل أراضي الاتحاد الأوروبي.
وختامًا، فإن ما يحدث داخل البرلمان الأوروبي يطرح سؤالًا جوهريًا حول مستقبل حوكمة كرة القدم العالمية، فبينما يرى مؤيدو إنفانتينو أن سياساته ساهمت في عولمة اللعبة وزيادة فرص الدول الصغيرة، يرى منتقدوه أن السرعة في اتخاذ القرارات وتوسيع البطولات تتطلب رقابة أكبر، ويبقى الفيصل في الأشهر المقبلة هو مدى استجابة “فيفا” لهذه المطالبات، وقدرته على تقديم أدلة واضحة على شفافية إدارته المالية والإدارية.
المصدرhttps://www.fifa.com/ar
اقرا ايضا شوبير يتصدى لميسي ومصر تنهي الشوط الأول متقدمة بهدف تاريخي على الأرجنتين





