مصر قاهر العدو حين عبر المستحيل.. الساعة التي غيرت وجه التاريخ
في الساعة الثانية وخمس دقائق من ظهر يوم السبت، العاشر من رمضان 1393 هجرية، الموافق السادس من أكتوبر 1973 ميلادية، دوى صوت لم يعتده العالم. لم يكن مجرد انفجار مدافع، بل كان صوت أمة قررت أن تسترد كرامتها. في تلك اللحظة، لم يعبر الجيش المصري قناة السويس فقط، بل عبر حاجز الخوف واليأس، ليكتب أعظم ملحمة عسكرية في التاريخ الحديث، ويحول يوم الهزيمة إلى عيد للنصر لا ينتهي.
لماذا كان العبور مستحيلا

قبل السادس من أكتوبر، كان العالم كله، والعدو قبل الصديق، يعتقد أن استعادة سيناء مستحيلة لثلاثة أسباب عسكرية قاهرة، السبب الأول كان قناة السويس نفسها، المانع المائي الأصعب في العالم، بضفتها الشرقية التي تم تجهيزها بساتر ترابي ضخم يصل ارتفاعه إلى أكثر من 20 مترا بزاوية ميل 45 درجة، ومشبع بالنابالم ليحول الماء إلى جحيم عند أي محاولة عبور.
السبب الثاني هو خط بارليف، الذي وصفته إسرائيل بأنه أقوى خط دفاعي في التاريخ، وامتد على طول 180 كيلومترا، وتكلف 238 مليون دولار آنذاك. كان عبارة عن سلسلة من 22 نقطة حصينة و36 حصنا، تضم ملاجئ ضد القنابل الذرية، ومدافع بعيدة المدى، وأنابيب نابالم تحت الماء، السبب الثالث كان الأسطورة التي تقول إن الجيش الإسرائيلي لا يقهر، وأنه سيقضي على أي محاولة عبور في ساعات بفضل تفوقه الجوي المطلق. حتى أن موشى ديان وزير الدفاع الإسرائيلي قال: “إن خط بارليف سيكون مقبرة للجيش المصري”.
لكن القيادة المصرية بقيادة الرئيس أنور السادات ورئيس الأركان الفريق سعد الدين الشاذلي والفريق أحمد إسماعيل، وضعت خطة “المآذن العالية”، التي بنيت على فكرة بسيطة عبقرية: إلغاء التفوق الجوي الإسرائيلي بمنظومة صواريخ سام المضادة للطائرات، ومواجهة الدبابات بالأسلحة الخفيفة المحمولة على الأكتاف مثل آر بي جي.
الخداع الذي هزم المخابرات

لم يكن الانتصار وليد يوم العبور فقط، بل وليد شهور من خطة خداع استراتيجي محكمة خدعت الموساد والسي آي إيه معا، على الجبهة، تم تسريح آلاف الجنود للذهاب لأداء العمرة، وإعلان فتح باب التطوع للحج، وتقديم جدول إجازات للضباط، بل وتسريب خبر مرض وزير الدفاع،
وعلى الصعيد الاقتصادي، تم نقل المعدات الثقيلة تحت غطاء مشروع إصلاح الأراضي، واستيراد مواد حربية تحت مسميات مدنية. حتى أن توقيت الحرب نفسه كان خدعة: العاشر من رمضان، يوم كيبور، عيد الغفران اليهودي، الذي تتوقف فيه الحياة تماما في إسرائيل، والثانية ظهرا، وهو وقت غير متوقع لبدء الحروب التي تبدأ عادة مع الفجر أو الغروب.
وعندما بدأت الحرب بـ 220 طائرة مصرية عبرت القناة في ضربة جوية مركزة دمرت معظم المطارات والمواقع، تبعها تمهيد مدفعي بـ 2000 مدفع أطلق أكثر من 3000 قذيفة في الدقيقة الواحدة لمدة 53 دقيقة، كان الجنون الحقيقي.
العبور 6 ساعات غيرت المعادلة

في الساعة الثانية وعشرين دقيقة، عبرت الموجة الأولى من المشاة في 1000 قارب مطاطي، وخلال 6 ساعات فقط، عبر 8000 جندي وبدأوا في تسلق الساتر الترابي، وهنا جاءت الفكرة المصرية الخالصة التي أذهلت العالم: المهندس المصري باقي زكي يوسف اقترح استخدام مضخات المياه القوية لتجريف الساتر الترابي بالمياه، بدلا من القنابل التي تحتاج إلى قنبلة ذرية لفتح ثغرة. وبالفعل، تم شراء 450 مضخة ألمانية الصنع، وخلال ساعات تم فتح 81 ثغرة في الساتر، وبدأت الكباري العائمة في النصب.
وفي نهاية يوم 6 أكتوبر، تمكنت 5 فرق مشاة كاملة بقوام 40 ألف جندي من العبور، ودمرت نصف النقاط الحصينة لخط بارليف، ورفعت العلم المصري على الضفة الشرقية لأول مرة منذ 6 سنوات. وفي نفس التوقيت، على الجبهة السورية، عبر الجيش السوري هضبة الجولان وحقق اختراقا كبيرا، لقد كسرت مصر نظرية الأمن الإسرائيلية القائمة على أن العرب لن يهاجموا، وإذا هاجموا فسيهزمون في 48 ساعة.
ماذا بعد النصر من عيد عسكري إلى درس للأجيال

حرب أكتوبر لم تكن مجرد معركة لتحرير الأرض، بل كانت حربا لاستعادة القرار. صحيح أنها انتهت بثغرة الدفرسوار وتدخل القوتين العظميين ووقف إطلاق النار يوم 22 أكتوبر، لكنها حققت هدفها الاستراتيجي، فقد دمرت أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وأعادت الملاحة إلى قناة السويس عام 1975، ومهدت لاتفاقية فك الاشتباك ثم معاهدة كامب ديفيد واستعادة سيناء كاملة عام 1982، ثم طابا عام 1989.
اليوم، وبعد 53 عاما، لم يعد السادس من أكتوبر مجرد ذكرى عسكرية يحتفل بها بعرض عسكري، بل أصبح منهجا يدرس في أعرق الأكاديميات العسكرية في العالم، من وست بوينت الأمريكية إلى ساندهيرست البريطانية، تحت عنوان “كيف تنتصر بالإرادة على التكنولوجيا”، إنه عيد النصر، لأنه اليوم الذي أثبت فيه الجندي المصري أن المستحيل ليس إلا كلمة في القاموس، وأن أمة تصوم في العاشر من رمضان، يمكنها أن تفطر في القدس، وأن تعيد كتابة التاريخ من جديد





