الشارع يختنق.. من يدفع ثمن أزمة المواصلات الخانقة
لم تعد أزمة المواصلات مجرد مشكلة يومية يشتكي منها المواطن أثناء ذهابه إلى عمله أو عودته إلى منزله، بل تحولت إلى أزمة اقتصادية واجتماعية وبيئية متكاملة تهدد جودة الحياة في المدن الكبرى. فمع الزيادة السكانية المطردة، وارتفاع أعداد السيارات الخاصة،
وقدم أسطول النقل العام في بعض المناطق، أصبحت الشوارع تختنق بالسيارات، وأصبح المواطن يقضي ساعات طويلة من يومه في الطريق إن أزمة المواصلات لا تعني فقط زحاماً مرورياً، بل تعني استنزافاً للوقت والطاقة، وارتفاعاً في تكاليف المعيشة، وتلوثاً للبيئة، وضغطاً نفسياً هائلاً على ملايين المواطنين.
جذور الأزمة لماذا وصلنا إلى هذه النقطة

تتعدد الأسباب التي أدت إلى تفاقم أزمة المواصلات في مصر، ويمكن تلخيصها في عدة محاور رئيسية الانفجار السكاني وزيادة الطلب يتجاوز عدد سكان مصر 107 ملايين نسمة، يتركز أكثر من 40% منهم في القاهرة الكبرى والإسكندرية.
هذا العدد الهائل يمثل ضغطاً يومياً على شبكة طرق ومواصلات لم تعد قادرة على استيعاب هذا الكم من الحركة، خاصة في أوقات الذروة الصباحية والمسائية، الزيادة المفرطة في أعداد السيارات تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن عدد السيارات المرخصة في مصر يتجاوز 11 مليون سيارة، يضاف إليها ملايين الدراجات النارية ومركبات التوك توك. ومع سهولة الحصول على قروض السيارات، أصبحت السيارة الخاصة هي الحل الأول للمواطن هرباً من زحام المواصلات العامة، مما زاد من حدة الزحام نفسه في حلقة مفرغة.
اختلال منظومة النقل العام رغم التطور الكبير الذي شهدته منظومة النقل، إلا أن هناك فجوة لا تزال قائمة. فأسطول الأتوبيسات العامة والميكروباصات في بعض المناطق متهالك وغير منتظم،
ولا يلتزم بخطوط سير محددة، مما يدفع المواطنين للاعتماد على البدائل العشوائية التي تزيد من الفوضى المرورية العشوائية في التخطيط القديم معظم المدن المصرية القديمة لم تخطط لاستيعاب هذا الكم من السيارات. فالشوارع ضيقة، والتقاطعات غير منظمة، والمواقف العشوائية تحتل حرم الطريق، بالإضافة إلى انتشار الأسواق العشوائية والباعة الجائلين الذين يغلقون أجزاء كبيرة من الشوارع الحيوية.
النتائج الكارثية المترتبة على أزمة المواصلات

لا تقف آثار أزمة المواصلات عند حدود التأخير عن العمل، بل تمتد لتشمل آثاراً اقتصادية وصحية واجتماعية خطيرة الخسائر الاقتصادية تشير دراسات البنك الدولي إلى أن مصر تخسر مليارات الجنيهات سنوياً بسبب الزحام المروري، نتيجة استهلاك الوقود المهدر، وتأخر وصول البضائع، وتعطل مصالح المواطنين، واستهلاك المركبات وقطع غيارها بشكل أسرع.
التلوث البيئي والصحي تعتبر عوادم السيارات هي المصدر الأول لتلوث الهواء في المدن الكبرى. فالسيارات المتوقفة في الزحام تطلق كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون والرصاص، مما يسبب أمراض الجهاز التنفسي والحساسية ويؤثر على صحة الأطفال وكبار السن بشكل مباشر الضغط النفسي والاجتماعي يقضي المواطن المصري في المتوسط من ساعتين إلى أربع ساعات يومياً في المواصلات،
وهو وقت مهدر كان يمكن استثماره مع الأسرة أو في العمل أو في الراحة. هذا الهدر يسبب ضغطاً نفسياً وعصبياً، ويزيد من حالات العنف اللفظي والمشاجرات في الشوارع ووسائل النقل.
زيادة الحوادث
تؤدي الفوضى المرورية والقيادة العشوائية والسرعة الزائدة للهروب من الزحام إلى ارتفاع معدلات حوادث الطرق، التي تحصد أرواح الآلاف سنوياً وتتسبب في إصابات وإعاقات دائمة جهود الدولة لحل الأزمة.. هل تكفي أدركت الدولة المصرية أن حل أزمة المواصلات لا يمكن أن يكون ببناء كوبري أو توسيع شارع، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة للنقل المستدام.
مشروعات النقل الجماعي الأخضر تم تنفيذ شبكة ضخمة من مشروعات النقل الحديث، مثل مترو الأنفاق الذي أصبح يضم ثلاثة خطوط وينقل أكثر من 3.5 مليون راكب يومياً، والقطار الكهربائي الخفيف LRT الذي يربط القاهرة بالعاصمة الإدارية والعاشر من رمضان،
والمونوريل شرق وغرب النيل، والأتوبيس الترددي BRT على الطريق الدائري الذي سيكون بديلاً حضارياً للميكروباصات العشوائية. تطوير شبكة الطرق القومية تم إنشاء وتطوير أكثر من 7000 كيلومتر من الطرق السريعة والمحاور الجديدة، مثل محور روض الفرج ومحور الفريق كمال عامر ومحور 26 يوليو الجديد، وهي محاور ساهمت في تخفيف الضغط على قلب القاهرة.
التحول إلى النقل الذكي

بدأت الدولة في تطبيق منظومة النقل الذكي ITS، التي تعتمد على الكاميرات والرادارات وأنظمة التحكم الإلكتروني في الإشارات، بالإضافة إلى تشجيع استخدام الغاز الطبيعي والسيارات الكهربائية لتقليل التلوث تقنين أوضاع الميكروباص والتوك توك تعمل الحكومة على إحلال الميكروباصات القديمة بسيارات حديثة تعمل بالغاز الطبيعي، وتنظيم خطوط سيرها بتراخيص محددة، ووضع خطة لتقنين أوضاع التوك توك ومنعه من السير في الشوارع الرئيسية والمدن الجديدة.
إن أزمة المواصلات هي اختبار حقيقي لقدرة المدن على النمو والاستمرار. والحلول التي تنفذها الدولة حالياً من مترو ومونوريل وقطار كهربائي وطرق جديدة هي خطوات عملاقة على الطريق الصحيح، لكنها تحتاج إلى وعي المواطن أيضاً فالالتزام بقواعد المرور،
واستخدام وسائل النقل الجماعي بدلاً من السيارة الخاصة، والحفاظ على حرم الطريق، واحترام أماكن الانتظار، كلها سلوكيات لا تقل أهمية عن بناء الكباري والأنفاق. فالمواصلات ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين الدولة والمواطن، وحلها يبدأ من احترام الطريق واحترام وقت الآخرين.
المصدرhttp://www.fedcoc.org.eg/
اقرا ايضابنزين و سولار.. القصة الكاملة وراء ارتفاع أسعار الوقود





